محمد سعيد رمضان البوطي
48
فقه السيرة ( البوطي )
وفي هذا ما يلجم أفواه أولئك الذين يأكل الحقد أفئدتهم على الإسلام وقوة سلطانه ، من المبشرين والمستشرقين وعبيدهم الذين يسيرون من ورائهم ، ينعقون بما لا يسمعون إلا دعاء ونداء ، كما قال اللّه عز وجل ، فقد ظنوا أنهم واجدون في موضوع زواج النبي صلى اللّه عليه وسلم مقتلا يصاب منه الإسلام ويمكن أن تشوه من سمعة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وتخيلوا أن بمقدورهم أن يجعلوه عند الناس في صورة الرجل الشهوان الغارق في لذة الجسد العازف في معيشته المنزلية ورسالته العامة عن عفاف القلب والروح . ومعلوم أن المبشرين ومعظم المستشرقين ، هم الخصوم المحترفون للإسلام ، يتخذون القدح في هذا الدين صناعة يتفرغون لها ويتكسبون منها كما هو معلوم ، أما الأغرار الذين يسيرون من ورائهم ، فأكثرهم يخاصمون الإسلام على السماع والتقليد ، ولا يعنيهم أن يفتحوا أذهانهم لبحث ولا فهم ، إنما هو هواية التقليد والاتباع ، فخصامهم للإسلام ليس إلا من نوع الشارة التي قد يعلقها الرجل على صدره لمجرد أن يعرف بها بين الناس انتماؤه لجهة معينة ، ومعلوم أن الشارة ليست أكثر من رمز ، فخصومة هؤلاء للإسلام ليست سوى الرمز الذي يعلنون به عن هويتهم بين الناس ، أنهم ليسوا من هذا التاريخ الإسلامي في شيء ، وأن ولاءهم إنما هو لهذا الفكر الاستعماري الذي يتمثل فيما يدعو إليه دعاة الاستعمار الفكري من مبشرين ومستشرقين ، فهذا هو اختيارهم ، من قبل أي بحث ودون محاولة أي فهم ! . . أجل ، فإن مخاصمتهم للإسلام ليست إلا مجرد شارة يسمون بها أنفسهم بين قومهم وبني جلدتهم ، وليس عملا فكريا لقصد البحث أو الحجاج . وإلّا ، فموضوع زواج النبي صلى اللّه عليه وسلم من أهون ما يمكن أن يستدل منه المسلم المتبصر ، العارف بدينه والمطلع على سيرة نبيه ، على عكس ما يروجه خصوم هذا الدين تماما . يريدون أن يلصقوا به صلى اللّه عليه وسلم صورة الرجل الشهواني الغارق في لذات الجسد ! . . وموضوع زواجه عليه الصلاة والسلام هو وحده الدليل الكافي على عكس ذلك تماما ، فالرجل الشهوان ، لا يعيش إلى الخامسة والعشرين من العمر في بيئة مثل بيئة العرب في جاهليتها ، عفيف النفس ، دون أن ينساق في شيء من التيارات الفاسدة التي تموج من حوله ، والرجل الشهوان ، لا يقبل بعد ذلك أن يتزوج من أيم لها ما يقارب ضعف عمره ، ثم يعيش معها دون أن تمتد عينه إلى شيء مما حوله وإن من حوله الكثير وله إلى ذلك أكثر من سبيل ، إلى أن يتجاوز مرحلة الشباب ، ثم الكهولة ، ويدخل في مدارج الشيخوخة .